جريدة الاستثمار العربى الان السوق يأتى اليك اقتصادية متخصصة

العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات

بقلم – الدكتورة حنان وجدي .. عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين

في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، أود أن أشير أولًا إلى أن حجم ثروات العالم قد تضاعفت ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين من 156 ترليون دولار في عام 2000 الي 514 ترليون دولار في عام 2020، وشكلت الصين فقط ثلث هذه الزيادة في حين أن 10% من الأسر الغنية في العالم يملكون أكثر من ثلثي هذه الثروات، ونشأ مصطلح العدالة الاجتماعية في عام 1784 بتصريح من الملك الفرنسي لويس السادس عشر وتطورت مبادئه منذ ذلك العقد إلى وقتنا هذا وشملت هذه المبادئ العدالة في العمل والصحة والتعليم والجنس والعمر والدين والعيش والتصويت الانتخابي المساواة وتطور حاليًا في عصر التكنولوجيا والتحول والمنصات الرقمية إلى التنمية المستدامة والتي أوضحت الفجوة الجارفة بين البشر في جميع انحاء العالم، وقامت فلسفة مفهوم العدالة الاجتماعية بشكل عام علي بناء العدالة الاقتصادية وعدالة توزيع الثروات.
مفهوم العدالة الاجتماعية على المستوي الدولي قائم بشكل أساسي ومباشر علي حق الفرد في حياة اجتماعية اقتصادية متوازنة ليست بالكثير ولكن أيضًا ليست بالقليل ولذلك لابد من حكومات العالم سواء المتقدمة أو النامية الوقوف أمام هذه الإحصائية (حجم وتركز ثروات العالم) والتفكير فيها بعين الاعتبار، قد يكون غير منطقي التفكير في اعادة توزيع ثروات الأثرياء على من هم محدودي الدخل أو الفقراء أو من يعيشون في مجاعات في كل أنحاء العالم، ولكن إعادة النظر والتفكير وتحليل هذه الإحصائية أمر واجب وضروري.

اقرأ المزيد : البيئة : إطلاق حملة ايكو ايجيبت من محميات الفيوم قريباً

إن هذه الأسر التي تمكنت من تحقيق ثروات ضخمة هم في الأساس عقول بشرية ولكن يملكون إرادة حقيقية على العمل والتعلم والتطوير والتركيز على أهداف محددة وصلت بهم اليوم إلى مرحلة ضخمة من الثراء، لذلك فعلينا أن نعي جيدًا أن أكبر ثروة موجودة علي وجه الارض هي العنصر البشري في حد ذاته.
لذلك فإن الثروة الحقيقية ليست فقط في موارد وأصول الحكومات حول العالم وإنما أيضًا في (البشر)، ولا ننسي أبدًا أن موارد أي دولة أو أصولها المختلفة لم تكن لها أي قيمة بدون عقل بشري يفكر ويدبر ويقرر وينفذ.
يرتبط التوازن والعدالة الاجتماعية على المستوي المحلي ارتباطًا كليًا بالرضاء المالي والمادي، ولو نظرنا إلى جمهورية مصر العربية سوف نجد أن أهم ثرواتها هي أبنائها (العنصر البشري)، وإن كنت أنحاز في السرد إلى العنصر البشري المصري لما له من ذكاء ودهاء كبير على قراءة المشاهد والأوضاع بأكملها إن كانت سياسية أو اجتماعيه أو حتى اقتصادية.

ان الاستراتيجيات الوطنية الطموحة المختلفة التي تعمل عليها القيادة السياسية بكل جرأه وايمان للوصول إلى الحياة الاجتماعية المرضية للمواطن المصري البسيط من خلال المبادرة الحضارية (حياة كريمة) من المهم أن يتم تطعيمها باستراتيجية اقتصاديه أخرى تكمن في ثقة الدولة في العقليات الاقتصادية الشابة في أنحاء الجمهورية في قراها ومراكزها ومحافظاتها والتي لم يتم اكتشافهم حتي الآن نظرًا لعدم قدراتهم المالية أو الاجتماعية علي توصيل افكارهم والتي من الممكن أن لا تقل علمًا أو أهميه عن أي عالم مشهور استطاع أن يغير قطاع ما سواء خارجيًا أو داخليًا، تطوير دخول الأفراد ليس فقط من خلال الأعمال الريادية وعمل مشروعات صغيرة أو متوسطة وتوفير تمويل بأشكال مختلفة يتناسب مع الشكل الائتماني لرائد الأعمال وإنما من خلال تلقي الأفكار العلمية المدروسة المختلفة ووضع ثقه أخري بمنظور آخر علي أن يتوفر لهم الامكانيات الأساسية المتاحة فحسب وغير المكلفة للعمل وإتاحة الدراسات اللازمة.

زود الله مصر بثروات طبيعية كثيره سواء كان الموقع الجغرافي المتميز أو الموارد المائية المتمثلة في نهر النيل أو الطاقة المتجددة المتمثلة في الشمس والرياح أو الثروات المعدنية، هذه الثروات التي تحتاج إلى مزيد من الاستغلال.

إن استغلال ثروات هذا البلد واغتنام الفرص الاستثمارية التي علي رأسها هو (العنصر البشري) أمر ضروري في المراحل المستقبلية القادمة لزيادة تنمية وثراء البلد نفسها (والتي تستهدف تحسين دخول المواطن والأخذ بأفكارهم وتطويرها والعمل عليها)، فماذا لو قررنا نعمل بنظرية استقطاب وصيد العقول المدبرة الذكية التي تدرس وتفكر وتعمل، هذه القوه البشرية الذكية (ثرواتنا الآدمية) الموجودة في كل أنحاء الجمهورية التي قد لا تحتاج إلى رؤوس أموال طائلة أو تمويلات، بل تحتاج فحسب للاكتشاف وتوفير الامكانيات الأساسية لتجاربهم العلمية والمهنية والإيمان بها.

Ads

لا ننسي دائمًا أن من قاموا بصنع ثروات طائلة سواء حكومات أو أسر أو أفراد هم في الأصل (عقول بشريه) تفكر وتدرس وتعمل وتنفذ وبدونهم لا ثروات ولا إنجازات.

إن مفهوم العدالة الاجتماعية من اسمي المفاهيم التي تتبناها الدول الذكية. ولكن تحتاج إلى تنفيذ استراتيجيات بشكل عيني (في القضاء على الفقر، ومتوسط دخول الأفراد، وتوفير الاحتياجات الأساسية من مآكل و مأوى وتعليم وعلاج).

وكما أن الدولة ملتزمة بتحقيق رخاء اجتماعي واقتصادي لشعوبها من خلال ثرواتها وأصولها ومواردها الاقتصادية المختلفة فإن احد اهم هذه الثروات هم البشر نفسهم والذي يكلف عليهم التزام بالسعي والاجتهاد والتعلم وتطوير الذات والبحث العلمي الذي أصبح في يومنا هذا متاح لنا جميعًا من خلال الابحاث والدراسات والتجارب العالمية والعملية المختلفة المنشورة علميًا والمقالات العلمية التي أصبحت متاحه للمهتمين والمتخصصين في أي وقت وفي أي مكان، لذلك فالعنصر البشري أيضًا عليه التزام مهني أمام نفسه وأمام بلده ليحول حلمه أو جزء منه إلى واقع سواء لنفسه أو من حوله، فكلا عليه دور لابد أن يعمل عليه، ولابد أن لا ننسي دائمًا أن الدول هي الجهة الرقابية التي تعمل علي مساعدة مؤسساتها ومجتمعاتها وأفرادها وشبابها على تحقيق طموحاتهم وتذليل العقبات محليًا أو دوليًا فليس من الضروري أن تعملها بأذرعها الرقابية ولكن الانسب هو مساعدة مؤسساتها ومنشأتها ورواد أعمالها وتطوير أفكارهم.

كمثال: تلتزم الشركات الكبيرة تجاه العاملين بصرف رواتب كبيره وحوافز وعلاوات تحقيق أرباح ولكن يُلزم العاملين أيضًا بتحقيق مستهدفات واضحة وصريحة أولًا لصرف مستحقاته وطموحاته تجاه الشركة.

إن تحديات جائحة فيروس كورونا المستجد فرضت علينا وعلى العالم أجمع مراحل اقتصادية صعبة وموجات تضخمية كبيرة يصعب على العالم بأكمله احتمالها وخاصة المواطن البسيط أو محدود الدخل والتي جاءت هذه الجائحة في أعقاب المراحل القومية الطموحة التي تعمل عليها الدولة بأدواتها المختلفة، قد يكون التحدي زاد صعوبة علينا وعلى العالم بأكمله، قد تكون المرحلة القادمة لصالح دعم المواطن وتأجيل بسيط لطموحاتنا القومية الكبيرة نظرًا للنتائج السلبية التي مازلنا نتأثر بها بسبب الجائحة العالمية.

نحتاج الي ثورة العمل والإنتاج من كل أفراد المجتمع، وليس من الحكومة فحسب، لتحقيق رخاء اجتماعي اقتصادي عادل.