جريدة الاستثمار العربى الان السوق يأتى اليك اقتصادية متخصصة

بدوي بك شلبي.. مديح تأخر حياة كاملة

بقلم .. محمود صلاح الدين – الكاتب الصحفي

 

عندما سأل الشاعر الكبير محمود درويش عن الرثاء، قال إنه مديحٌ تأخر عن موعده حياةً كاملةً، لكن صديقي الراحل بدوي بك شلبي، كما يُحب أن يُنادي، لم يتأخر يوماً عن مديح من يُحب، باح بحبه لكل من أحبه، يقولها على الملأ ويكتبها على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك”.

كل هذا الحب منه للآخرين، لم يكتمه وكأنه يعرف أن حياته قصيرة، ويسرع في إعلانه قبل الرحيل، إلا أن حالة الحزن العميق التي انتابت كل مَن يعرفه ما هي إلا انعكاس بسيط لهذا الحب الذي قدمه كثيراً للغريب قبل القريب. لم يُخفِ مشاعره أبداً، وأتذكر عندما راسلني لوفاة رئيس شركة عقارية يتابعها، معبّراً عن حزنه بصدق.

قبل أيام من رحيله، يُراسلني الصديق مصطفى فهمي، قائلاً: “بدوي شلبي محجوز في المستشفى أبقى اسأل عليه”، بعد معرفة التفاصيل قال لي كلم أسامة القاضي لو عايز تطمن عليه؛ لأن بدوي مش بيرد”، بعد لحظات وإحساس بالتقصير ناحيته، ومرور فترة لم نتبادل كالعادة النقاش والفكاهة المعتادة فيما بيننا، وكأني كنت أبحث عن صوته، قررت الاتصال بالصديق بدوي مباشرةً، لترد السيدة الفاضلة زوجته بأنه الحمد لله حالته أفضل، تذكرته كثيراً في دعواتي بعد ذلك، مع أمل في تعافيه من فيروس كورونا اللعين، وكان خبر الوفاة هو الفاجعة والصدمة التي توقف الدهر عندها لحظات، أصابني الخبر بحزنٍ عميق مع تأنيب للنفس لأني لم أتواصل معه في هذا العام بكامله، ورغم أن أسباب عدم تواصلي هي تغيير العمل وضيق الوقت، فإنها ليست مبرراً لعدم التواصل، مع صديق عملنا وسهرنا وسافرنا وأكلنا وتسامرنا معاً، وأعترف يا صديقي إني مُقصر في حقك وأشهد الله إني سأعمل ما في وسعي لتخفيف ألم هذا التقصير تجاهك.

Ads

تتلاطم وتتلاحم أمواج من الذكريات معك، لتولد حنيناً جارفاً إليك، كنت أود تقليله مع لحظات لم أكن أعلم أنها لحظات الغروب، إليك مني سلامٌ ودعاءٌ إلى خالقنا أن يرحمك ويرزقك دار السلام، ونشهد الله أنك كنت باراً بأهلك، وكنت دائماً الأول في إعطاء السائل أينما ذهبنا أو جلسنا.

أتذكر كلماتك الآن أثناء عملنا معاً: “محمود يا صلاح خلاص الموضوع اعتبره خلص وكله متظبط وأنت وقتك خلص معايا”، “عارف أنا بعمل شوية أكل إنما ايه اسأل عيّاد شوف يوم كده نخلص شغل بدري وتيجي معايا” (قبل الزواج)، “ألو وصلت الجورنال يا محمود طيب ما تنزل تقابلني نفطر عند عمك “توبة” على عربية الفول وأخد السوفت درينك بتاعي”، على عربة الفول يتجلى تقمصه شخصية “علي بيه مظهر الشهيرة”: “أنت يا ولا يا “توبة” فين يا بني الفطار والسوفت درينك بتاعي”، وعلى نوعية الأخبار لدينا بشأن الشركات يقول: “هتضخ ولا هتستهدف ولا هتستثمر النهارده”، “الصحفي طالما أكل الكيك وشرب الشاي يبقى خلاص”، “اللي مالوش خير في بدوي شلبي ملوش خير في مصر”.

ومع انتقالي إلى عملٍ جديد لم تنقطع مقابلتنا ولا أحاديثنا إلا مؤخراً، تبادلنا الكثير من متاعب مهنة الصحافة في البدايات حاولنا واجتهدنا، كنت تجده دائماً مدافعاً شرساً عن مكان عمله ويحدثك بانبهار عن قيادات ومديري مدرستنا جريدة “البورصة”، أحب الجميع وتندر مع هذا بأنه موظف حكومة وهذا خريج معهد قطن، ورغم كل ذلك تجد وجهه تتغير ألوانه إذا حاول أحدهم يبادله الأسلوب ذاته.

عندما قرر بدوي بك شلبي، يوماً ما الكتابة عن شخصيات جريدة “البورصة”، كانت البداية بي قائلاً: “محمـــود صـــــــلاح الدين”.. أردت الكتابة عنه في المقدمة لأن شخصيته بدأت معتمة لي وغامضة ولاحظت هذا جيداً من بوستاته على الفيس وطريقة انكماشه والابتعاد عن الضجيج بكل أنواعه.. قليل الكلام مجتهد جدااااااااااً.. كوّن آراءً وأفكاراً وثقافة اكتسبها من القراءة.. كثيرُ الاطلاع لكنه يفضّل العزلة والهدوء.. ترى في عينه شموخاً واعتزازاً بمهنيته لكنه أجوف في المشاعر.. يجعلك تفكر في الحكم عليه كثيراً كثيراً.. فهو أبسط ما يقدمه لك أن يثبت أنه يستحق لقب “صديق” وليس زميلاً مثل الكثيرين هنا”.

أي صديق هذا الذي يكتبك بكل صراحة دون خجل أو مصلحة لكن هدفه دائماً هو التعبير عن الحب؛ لم أكن أعلم يا صديقي أني سأكتب يوماً ماً عنك مديحاً متأخراً حياة كاملة، ومهما أكتب لن أجد من كلمات تسعفني لتعبّر عن مرارة الفقد ومرارة انقطاع التواصل بيننا تارة أخرى، لكني سأبقى أتذكرك بحزن وابتسامة انتزعتها منّا دائماً بكلماتك وتعبيراتك الساخرة، وأن انقطع التواصل بيننا لفترة، أعاهدك إني سأعوضه بإذن الله. وكما قال الشاعر العباسي أبوالحسن التهامي: “حكم المنية في البرية جارٍ.. ما هذه الدنيا بدار قرار.. بينا يرى الإنسان فيها مخبراً.. حتى يُرى خبراً من الأخبار”.

 

اترك تعليقا