جريدة الاستثمار العربى الان السوق يأتى اليك اقتصادية متخصصة

مقال – الأُطر القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد الاقتصادى فى الدول الاسكندنافية

مقال– الأُطر القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد الاقتصادى فى الدول الاسكندنافية

د. إبراهيم مصطفى – الخبير الأقتصادي

يتطلب نجاح جهود مكافحة الفساد أن تتكامل الأُطر القانونية والتنظيمية مع الأُطر القيمية والثقافية الرافضة لممارسات الفساد، وذلك في ظل وجود إطار مؤسسي قوي يمكنه تحقيق الرقابة وضمان سيادة القانون، على أن تتسم المؤسسات باستقلالية كياناتها لتؤدي مهماتها الرقابية بفعالية دون تداخل مع مؤسسات أخرى تعرقل بعضها بعضًا. ويتحقق هذا النضج المؤسسي في ظل سياق عام يتسم بالديمقراطية، وتزايد الرقابة الشعبية والإعلامية، والمأسسة، والرقابة المتبادلة والمتوازنة check and balance، وهو النمط الذي يُطلق عليه: “دولة المؤسسات”.

فبعض الدول المتقدمة تتميز هذه الدول بقوة أُطرها المؤسسية التي تمارس من خلالها الرقابة والمحاسبة، لمنع وقوع ممارسات الفساد وإساءة استغلال السلطة، والفضل في ذلك يعود بصفة رئيسة إلى وجود الأُطر الدستورية والقانونية المُعززة للفصل والرقابة بين السلطات، وتمكين الكيانات الرقابية مثلما فى الدول الإسكندنافية التى جاءت فى ترتيب متقدم فى التقارير الدولية (مؤشر التنافسية الدولية- المنتدى الاقتصادي العالمي).

حيث تشابهت الدول الإسكندنافية في اهتمامها بوجود الأُطر والمؤسسات الرقابية التي تهدف إلى مكافحة الفساد، ففي الدنمارك يُعد مكتب المدعي العام المعنيّ بالجريمة الاقتصادية والدولية، هو الجهة الرئيسة المسئولة عن التصدي للممارسات الفاسدة في الدنمارك، بما في ذلك رشوة المسئولين في الخارج، ويتكون من فريق مُتعدد التخصصات من مدعين عامين ومحققين.

وتجدر الإشارة إلى أن مكتب المدعى العام المعني بالجريمة الاقتصادية والدولية– والذي أنشئ في عام 1973– لا يُعد فقط مؤسسة لمكافحة الفساد في حد ذاته، ولكنه يقدم تقارير عن الجرائم الاقتصادية، وتوصيات لوزارات الحكومة بشأن السياسة العامة، كما أن المدعي العام مُكلف بإعداد تقييمات وطنية لمخاطر غسيل الأموال. ويلاحظ أن أداء المدعي العام يُعد كافيًا في حالة التحقيق في قضايا الفساد المحلية، إلا أنه قد تعرض لانتقادات بسبب قضايا الرشوة الأجنبية، فحسب تقرير أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2013، لوحظ أنه قد طرح قضايا واختار عدم المقاضاة فيها بسبب غياب الأدلة دون إجراء تحقيق أولي.

وقد وافق البرلمان في 2012 على إنشاء مكتب التدقيق الوطني لفحص النفقات، حيث يتعين عليه تقديم جميع عمليات التدقيق وتقارير الأداء السنوية، وتُعد الأمانة العامة لغسيل الأموال في الدنمارك هي المسئولة عن تحليل غسيل الأموال المحتمل، وتمويل الإرهاب، والتدفقات المالية غير المشروعة.

وتتميز فنلندا بوجود أُطر مؤسسية قوية ومستقلة تحقق الرقابة المتبادلة بعضها على بعض، وتحدّ من وقوع الفساد، وتمنع تضارب المصالح، بموجب قوة مؤسساتها التشريعية والقضائية وهيئاتها الرقابية، حيث تعتمد فنلندا على مجموعة من المؤسسات، مثل لجنة التدقيق البرلمانية المُشكلة من أعضاء من البرلمان وخارجه، وتختص بالرقابة على الشئون المالية الخاصة بالحكومة، وسبل تصرفها في الموازنة العامة، والرقابة على استخدامها للمال العام.

بالإضافة إلى وزارة العدل، التي تختص بالرقابة على الموظفين العموميين، ومتابعة أي جرائم تتعلق بإساءة استخدام المنصب العام، والإشراف على تصرفات الحكومة، ومتابعة حدوث أي خروقات من قِبل السلطة التنفيذية، فضلا عن مؤسسة أمين المظالم التابعة للبرلمان، والمُختصة بفحص الشكاوى الواردة إليها، كما تُعنى بضمان اتباع مبادئ الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، وتحقيق الإدارة الجيدة، ومنع ممارسات الفساد.

ويُعد مكتب التدقيق والمراجعة الوطني بمثابة هيئة رقابية عُليا بالبلاد تتسم بالاستقلالية تماما، فهو معنيّ بالرقابة لمنع ممارسات الفساد وإساءة استغلال المنصب العام، ويختص بمراجعة جميع المخالفات المالية، وبموجب ما لديه من صلاحيات، فله أيضًا مطالعة جميع البيانات والحسابات الخاصة بالمؤسسات العامة بالدولة لتحقيق النزاهة والرقابة والشفافية والمحاسبة.

فضلا عن الرقابة الشعبية من خلال وسائل الإعلام، عبر المصارحة والنقاش العلني والشفافية وتداول المعلومات، بالإضافة إلى دور الصحافة الاستقصائية في ممارسة الرقابة والمتابعة، مما يؤدي إلى تزايد الوعي الشعبي بما يمثل عنصرًا للضغط لمنع ممارسات الفساد، وإساءة استغلال المنصب العام، والإضرار بالمصالح العامة. وفضلا عن ذلك، فإن جميع المؤسسات الحكومية لديها وحدة للرقابة الداخلية، وهي معنيّة بمتابعة أي وقائع فساد أو إساءة استغلال للوظيفة، وتُحيل مثل هذه الوقائع إلى التحقيق القانوني مع الجهات المختصة.

وفيما يتعلق بدولة النرويج، تؤدي الهيئة الوطنية للتحقيق في الجرائم الاقتصادية والبيئية وملاحقتها  دورًا رئيسًا في التحقيق في قضايا الفساد الكبيرة المعقدة، ومقاضاة مرتكبيها، بما في ذلك تلك المتعلقة بالرشوة الأجنبية، كما أن دائرة الشرطة النرويجية التي تعمل تحت إشراف وزارة العدل والأمن العام، تتحمل مسئولية واسعة في منع الجرائم والتحقيق فيها، بما في ذلك جرائم الفساد.

وقد كان الهدف من إنشاء هذه الهيئة في عام 1989، هو تمكين الشرطة وسلطات الادعاء من مكافحة الجريمة الاقتصادية والبيئية، بما في ذلك الفساد، من خلال توفير منظمة وطنية مركزية تتمتع بمستوى عالٍ من الكفاءة والتركيز على التعاون مُتعدد التخصصات. وفي عام 1994 قررت السلطات النرويجية أن يكون لدى الهيئة مسئولية وطنية في مكافحة الفساد، وفي العام ذاته أُنشئ فريق مكافحة الفساد داخل الهيئة. وتتضمن مهمات الهيئة التعامل مع جرائم وممارسات الفساد ومكافحته، ومساعدة مؤسسات إنفاذ القانون المحلية والأجنبية وسلطات الملاحقة القضائية، بالإضافة إلى العمل كهيئة استشارية للسلطات الوطنية والإشرافية، والمشاركة في مبادرات التعاون الدولي.

وتقدم الهيئة تقاريرها إلى مديرية الشرطة الوطنية فيما يتعلق بالإدارة والتمويل، وإذا تعلق الأمر بالمقاضاة في قضايا جنائية تقدم التقارير إلى مدير عام النيابات العامة، مع ملاحظة أن الهيئة لا يمكنها توجيه الشرطة إلى التحقيق في قضية معينة. كما تتولى الهيئة التوعية ضد الفساد (من خلال زيارة الشركات والمؤسسات، والمشاركة في المؤتمرات، وإلقاء المحاضرات في أكاديمية الشرطة وغيرها)، وجمع المعلومات الاستخبارية الجنائية لمكافحة الفساد.

وقد أدى نجاح الهيئة إلى زيادة الوعي بالرشوة الأجنبية عبر المجتمع النرويجي، وخاصة مجتمع الأعمال، وساهمت الإجراءات المُتخذة، لا سيما ضد المسئولين التنفيذيين، في دفع الشركات إلى إلقاء نظرة فاحصة على أنظمتها، وتُعد الهيئة مؤسسة متكاملة لإنفاذ القانون يعمل فيها المحققون والمدعون العامون تحت مظلة مؤسسية واحدة.

أما الإطار المؤسسي لمكافحة الفساد في السويد، فيَعتمد على الانفتاح والشفافية في المجتمع والمؤسسات فضلا عن الاحترام القوي لسيادة القانون، وقد أُنشئت الوحدة الوطنية لمكافحة الفساد التابعة لمكتب المدعي العام في عام 2002 نتيجة لتوصيات قدمتها مجموعة الدول لمكافحة الفساد، وتركز الوحدة على جمع المعلومات عن الفساد وتطوير أساليب مكافحته، وخلال الفترة من (2003) إلى (2009)، أفضى 280 تحقيقًا أوليًّا أجرتها الوحدة إلى 90 إدانة. وتتعاون الوحدة الوطنية لمكافحة الفساد مع المؤسسات الدولية، ومنها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومع سلطات الدول الأخرى في العمل التنفيذي بهدف جعل التعاون القضائي أكثر كفاءة. وتعمل الوحدة أيضًا على رفع الوعي داخل السلطات والمؤسسات من أجل تحديد الممارسات الفاسدة، والتحقيق فيه بشكل أكثر كفاءة، كما بدأت الوحدة في تأسيس شبكة وطنية بهدف اكتشاف جرائم الفساد ومكافحتها.

وفي يناير 2012، أنشئت وحدة الشرطة الوطنية لمكافحة الفساد لدعم الوحدة الوطنية لمكافحة الفساد في التحقيقات، بما في ذلك الرشوة الأجنبية ودعم مكافحة الفساد، وتتكون الوحدة من ضباط الشرطة والمحققين المدنيين (والذين يتلقون تدريبًا في مكافحة الفساد) والإخصائيين الماليين. وقد أُنشئت الوحدة بسبب الشكاوى التي قدمها وزير العدل، ومن ناحية أخرى بسبب دعوات وتوصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي تُعد جزءًا من هيئة الشرطة السويدية.

لذا، تعد الأطر القانونية والتنظيمية الفعالة والمطبقة على الجميع خط الدفاع الأول فى سياسات مكافحة الفساد الاقتصادي.

مقال– الأُطر القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد الاقتصادى فى الدول الاسكندنافية

لمتابعتنا علي صفحتنا علي الـ Facebook